مجموعة مؤلفين
206
إرشاد ذوي العقول إلى براءة الصوفية من الاتحاد والحلول
وسائر الأجسام وهي كثيرة ؟ فكيف يكون الكثير واحدا ؟ قلت : فاعلم أن هذا غاية علوم المكاشفات ، وأسرار هذا العلم لا يجوز أن يسطر في كتاب ، فقد قال العارفون : إفشاء سر الربوبية كفر ، ثم هو غير متعلق بعلم المعاملة ، نعم ذكر ما يذكر [ . . . . ] استبعادك ممكن وهو أن الشيء قد يكون كثيرا بنوع مشاهدة واعتبار ، ويكون واحدا بنوع آخر من المشاهدة والاعتبار ، وهذا كما أن الإنسان كثير إذا التفت إلى روحه ، وجسده ، وأطرافه ، وعروقه ، وعظامه ، وأحشائه . وهو باعتبار آخر ومشاهدة أخرى واحد ؛ إذ تقول : إنه إنسان واحد ، فهو بالإضافة إلى الإنسانية واحد ، وكم من شخص يشاهد إنسانا ولا يخطر بباله كثرة أمعائه وعروقه وأطرافه وتفصيل روحه وجسده . والفرق بينهما : فهو في حالة الاستغراق به مستغرق بواحد ليس فيه تفرقة ، وكأنه في غير الجميع ، والمتلفت إلى الكثرة في تفرقه ، فكذلك كل ما في الوجود من الخالق والمخلوق له اعتبارات ومشاهدات كثيرة مختلفة ، وهو باعتبار واحد من الاعتبارات واحد ، وباعتبار آخر سواها كثير بعضها أشد كثرة من بعض ، انتهى . فإن قلت : عسى أن مراد حجة الإسلام بهذا الكلام ليس إلا أن المتوجه إلى اللّه الذي استغرق في ذكره وفكره ، ولم يلتفت إلى ما سواه ، فلا يشاهد في ضميره ولا يعاين في باطنه إلا إياه لا ما أشرت إليه من أمر المعيشة ، وأنه مبدأ آثار الماهية الذهنية والخارجية حتى لا يتصور انفكاكه عنها ما دامت موجودة بأحد الوجودين . قلت : أما هذا الاحتمال في حد ذاته فهو كلام جيد لا غبار عليه ، وهو بداية السالكين ونجاة الهالكين ، إلا أنه ليس بمراد لحجة الإسلام في الكلام لوجوه :